الأحد، 14 يناير 2018
السبت، 13 يناير 2018
الدعوة إلى وحدة الأديان من نواقض الإسلام
الدعوة إلى وحدة الأديان من نواقض الإسلام
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبيه محمد وآله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن الله بعث رسله من أولهم إلى آخرهم من نوح إلى محمد صلى الله عليهم أجمعين بدين الإسلام الذي حقيقته عبادة الله وحده لا شريك له، وترك عبادة ما سواه والبراءة منه، وهذا حقيقة إخلاص الدين له، { فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ}[الزمر:2].
ويدخل في حقيقة الإسلام طاعته سبحانه وطاعة رسله، وقد دل على هذا الحقيقة آيات كثيرة، قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} [النحل:36]، وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ}[الأنبياء:25] وقال تعالى:{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ } [الزخرف: 26-27]
وحقيقة الإسلام هو معنى "لا إله إلا الله"، وهو الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، وهي العروة الوثقى، وكلمة التقوى، قال تعالى: { فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة:256]
ومن الدليل على أن دين الرسل اسمه الإسلام قوله تعالى عن نوح عليه السلام: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس:72]
وقال عن إبراهيم ويعقوب عليهما السلام : {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}[البقرة:132]
وعن موسى عليه السلام : {وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ} [يونس:84]
وقال عن الحواريين: {آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}[آل عمران:52]
وبين سبحانه أن الدين عنده الإسلام، وأنه لا يقبل من أحد دينا سواه، قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ} [آل عمران:19]، وقال تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران:85]
فعلم بذلك أن من خرج عن دين الرسل = فهو كافرٌ خاسر في الدنيا والآخرة، سواء خرج بالجحد والتكذيب، أو الشك، أو الاستكبار عن قبول دعوة الرسل، ولو كان مصدقا في الباطن، قال تعالى: {فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ}[الأنعام:33]
وقال تعالى في فرعون وقومه: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ}[النمل:14]
فعلم أن الرسل وأتباعهم مسلمون، ويجب أن يعلم أن من أصول الإيمانِ الإيمانُ بجميع الرسل فمن آمن ببعضهم دون بعض لم يكن مؤمنا ولا مسلما؛ بل يكون مكذبا بجميعهم، ولهذا قال تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء:105]، وقال تعالى: {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء:123]، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا} [النساء:150-151]، وقال تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ}[البقرة:285]
ومن أدلة الكتاب والسنة على أن دين الرسل واحد قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}[المؤمنون:51-52]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم " أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لِعَلَّات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد " متفق عليه.
وهذا مما يؤكد أن دين الرسل واحد، ولهذا يبشر أولُهم بآخرهم ويؤمن به، وآخرُهم يصدق أولَهم ويؤمن به، كما قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف:6].
وأعظم الأمم ذكرًا في القرآن وتنويها بشأنها بنو إسرائيل ـ يعقوب عليه السلام ـ فقد كانت النبوة قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم فيهم، وأعظم أنبيائهم موسى وعيسى عليهما السلام وعلى سائر الأنبياء والمرسلين؛ فإنهما من أولي العزم من الرسل، وقد أنزل الله عليهما التوراة والإنجيل، وقد قص الله علينا من خبر هذين الرسولين في نشأتهما وإرسالهما وأحوال بني إسرائيل معهما خبرا مفصلا، وقد كان أنبياء بني إسرائيل من بعد موسى يحكمون بالتوراة حتى جاء عيسى عليه السلام، فجاء مصدقا بالتوراة وناسخا لبعض أحكامها، قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ} [المائدة:44]، وقال عن المسيح عليه السلام: {وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ}[آل عمران:50].
وكان المؤمنون بموسى عليه السلام المحكمون لشريعة التوراة مسلمين على الحق حتى جاء عيسى ابن مريم فمن آمن به واتبعه كان مسلما، ومن كذبه كان كافرا، وكان المنتسبون للإيمان بموسى عليه السلام يُعرفون باليهود حتى جاء عيسى عليه السلام فعُرف أتباعه بالنصارى، وبقي اسم اليهود لمن كفر به، وبهذا صار بنو إسرائيل طائفتين: اليهود والنصارى، وكلٌ من الطائفتين منهم المؤمن والكافر، وقد فصَّل الله في كتابه الخبر عن الطائفتين: مؤمنهم وكافرهم، وبيَّن أسباب كفر من كفر منهم، فأما اليهود فمن أسباب كفرهم تحريفهم التوراة، وقتل الأنبياء، وقلوهم: عزير ابن الله، ثم بتكذيبهم للمسيح عليه السلام، ثم بتكذيبهم لخاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم فجمعوا بين أنواع من الكفر، ولهذا قال سبحانه وتعالى: {وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ * بِئْسَمَا اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنَزَلَ اللّهُ بَغْياً أَن يُنَزِّلُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ فَبَآؤُواْ بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ }[البقرة:89-90].
وأما النصارى فمن أسباب كفرهم تأليه المسيح وأمه، وقولهم: المسيح ابن الله، وقولهم: إن الله ثالث ثلاثة، ثم بتكذيبهم لمحمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين والمرسلين، قال تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ* لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}[المائدة:72-73].
وقد أخبر الله تعالى في كتابه عن غرور كلٍ من الطائفتين بأنفسها وذمها للأخرى، وزعمها اختصاص ما هم عليه بالهدى، واختصاصهم بدخول الجنة دون من سواهم، قال تعالى: {وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}[البقرة:111-112]، وقال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ} [ البقرة:113]، وقال تعالى: {وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [البقرة:135]، وقد زعمت اليهود أنهم على ملة إبراهيم، وأنه كان يهوديا، وزعمت النصارى مثل ذلك، فأكذبهم الله فقال سبحانه: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}[آل عمران:67]، ثم قال تعالى: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران:68].
ومن ههنا يعلم أن أهل الملل الثلاث: اليهود والنصارى والمسلمين يتفقون على تعظيم إبراهيم عليه السلام والانتساب إليه، وقد أبطل الله دعوى اليهود والنصارى لذلك، وحكم بان أولى الناس بإبراهيم الذين اتبعوه على التوحيد، والبراءة من الشرك والمشركين، ومحمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه، وذلك أن ملة إبراهيم هي: عبادة الله وحده لا شريك له، وإخلاص الدين له، والبراءة من المشركين وما يعبدون، وهي التي أمر الله نبيه محمد صلى الله عليه وسلم باتباعها، قال تعالى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل:123] فالمسلمون هم الذين على ملة إبراهيم دون اليهود والنصارى، قال تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ}[الحـج:78]، وقد مضت عصور المسلمين على هذا الاعتقاد، وهو أن دين الإسلام هو دين الحق الذي لا يقبل الله ولا يرضى دينا سواه، وأن كل من لم يدخل دين الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر مستوجب لدخول النار والخلود فيها إذا مات على ذلك، ولهذا أوجب الله دعوة الناس كلهم من اليهود والنصارى وغيرهم إلى الإسلام وجهادهم لإعلاء كلمة الله ودينه ليدخل في الإسلام من شاء الله أو يخضع لسلطان الحق، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة:33]، ولم تزل الحرب سجالا بين المسلمين وأعدائهم والأيام دولٌ، وضمن الله نصره لمن نصره، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 7-8]، وقد عظمت محنة الإسلام والمسلمين في العصور المتأخرة بغلبة النصارى على كثير من بلاد المسلمين ثم باستيلاء الموالين لهم من المنتسبين للإسلام، فلما زال عن بلاد المسلمين الاستعمار العسكري بقي الاستعمار الفكري في التعليم والإعلام وسائر نظم الحياة ينفذه من ربطوا أنفسهم بالتبعية لدول الغرب الكافر، وذلك بسبب جهلهم بحقيقة دين الإسلام، وبعدهم عن القيام بشرائعه وأحكامه في أنفسهم فضلا عن حمل شعوبهم على ذلك؛ فأذلهم الله وسلط عليهم دول الكفر والطغيان دولة الأمريكان تعدهم وتوعدهم وتمنيهم، وجعلت لنفسها الوصاية على بلادهم والتدخل في شؤونها الداخلية باسم "هيئة الأمم المتحدة"، ودولة الأمريكان هي المتحكمة في الحقيقة فجعلوها مرجهم يتحاكمون إليها في قضاياهم، وأبرز مثال لذلك القضية الفلسطينية لم تستطع الدول العربية والإسلامية حلها، ولا حل لها إلا بجهاد دولة اليهود من خارج فلسطين، وهذا لا ينتظر ممن تقدم وصف حالهم، ولكن قد قال الله تعالى: {هَاأَنتُمْ هَؤُلَاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد:38] فهذا وعد من الله والله لا يخلف الميعاد، ولا ينتظر النصر إلا بشرطه المذكور في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 7-8].
ومن آثار احتلال النصارى لبلاد المسلمين عسكريا في السابق، وتنفيذ مخططاتهم على أيدي المتولين لهم في الحاضر لم يكتف الأعداء وأولياؤهم من المنتسبين للإسلام بما نشروه في مجتمعات المسلمين من أنواع الفساد والانحرافات، وقد اتخذوا المرأة أداة لذلك منذ بداية الاستعمار وإلى اليوم باسم حقوقها وحريتها، وكذا ما وضعوه من القوانين التي جعلوها بدلا من شرع الله فحكموا هذه القوانين، وفرضوا التحاكم إليها، لم يكتفوا بهذا وذاك حتى طمعوا في إفساد عقيدة المسلمين في أصل دينهم بطريقة ماكرة فلذلك روَّج لها المنافقون على علم، وقبلها كثير من جهل المسلمين لجهلهم بحقيقتها؛ بل وجهلهم بحقيقة دين الإسلام، وهذه الطريقة الماكرة الخبيثة هي ما يسمى : بـ "دعوة التقريب بين الإسلام والنصرانية"، أو " دعوة التقريب بين الأديان"، أو "وحدة الأديان"، أو "توحيد الأديان الثلاثة"، أو "الإبراهيمية"، أو "الملة الإبراهيمية"، أو "الوحدة الإبراهيمية"، أو "وحدة الكتب السماوية"، ومن عباراتهم عن هذه الدعوة "الإخاء الديني"، و "نبذ التعصب الديني"، و "الصداقة الإسلامية المسيحية"، و"التضامن الإسلامي المسيحي ضد الشيوعية" أو "ضد الإلحاد" .
وكل هذه الأسماء والعبارات من لبس الحق بالباطل، ومن زخرف القول لتزيين الباطل، وقد يمعنون في الخداع والتلبيس فيعبرون عن هذه الدعوة بـ "حوار الحضارات" أو " حوار الأديان"، والغاية من هذه الدعوة أحد أمرين:
1- احترام الأديان الباطلة، أو احترام ما يسمى بالأديان السماوية كاليهودية والنصرانية، وذلك بعدم الطعن فيها، وبترك الجهر ببطلانها، وترك إطلاق اسم الكفر على من يدين بها، وهذا ما يعبر عنه بعضهم بـ " التعايش السلمي بين أهل الملل الثلاث".
2- الاعتراف بصحتها، وبأنها طريق إلى الله كالإسلام، ومعنى هذا أن كلاً من اليهود والنصارى والمسلمين لا فرق بينهم إذ كل منهم على دين صحيح.
وهذه حقيقة الوحدة المزعومة، وبهذا يكونون إخوة فلا عداوة ولا بغضاء؛ بل لا دعوة ولا جهاد، والقول بهذه الوحدة كفر بواح، وهو معدود في نواقض الإسلام.
فتحصل مما تقدم أمور:
1- أن الدين عند الله الإسلام، وهو دين الرسل كلهم.
2- أن الله لا يقبل من أحد دينا سواه.
3- أن الإسلام بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم مختص فيما جاء به وفي أتباعه.
4- أن كل من خرج عن شريعة الإسلام التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر؛ لأن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم عامة فلا يسع أحدًا الخروجُ عمَّا جاء به.
5- أن اليهود والنصارى كفار تجب دعوتهم إلى الإسلام وجهادهم إذا تهيأت أسبابه، كما تجب دعوة المشركين وجهادهم لتكون كلمة الله هي العليا ودينه الظاهر، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة:33].
6- أن من صحح دين اليهود والنصارى الذي هم عليه بعد التحريف والتبديل والنسخ؛ فهو كافر مرتد عن الإسلام.
7- أن من مات من اليهود والنصارى وغيرهم على كفره، وقد بلغته دعوة الإسلام؛ فهو من أهل النار خالدا فيها، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ}[البينة:7]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة: يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به؛ إلا كان من أصحاب النار". رواه مسلم.
8- وجوب البراءة من الكافرين ومن دينهم، وبغضهم وعداوتهم حتى يؤمنوا بالله وحده.
9- بطلان دعوة التقريب بين الأديان، أو وحدة الأديان، وأنها دعوة كفرية؛ لأنها تتضمن صحة دين اليهود والنصارى الذي هم عليه، وهو دين باطل.
10- تحريم ما يتخذ وسيلة إلى ذلك، مثل ما يسمى بـ: "حوار الأديان"، ونحوه من الأسماء، وأما الحوار بين المسلمين وأهل الأديان الباطلة لدعوتهم إلى الدخول في الإسلام على أساس من قوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}[آل عمران:64]، وقوله تعالى: {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا} [النساء:36]، وقوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}[الأعراف:158] فهو من سبيل الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه، {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف:108].
11- تحريم ما يسمى "احترام الأديان" و "التسامح بين الأديان" الذي مضمونه ترك الطعن في الأديان الباطلة كاليهودية والنصرانية وغيرهما؛ فإنه لا دين يجب احترامه إلا دين الإسلام؛ لأنه الدين الحق، دون ما سواه.
12- أنه لا أخوة بين المسلمين والكفار، فلا يجوز أن يقال: إخواننا النصارى أو غيرهم من الكافرين، وإنما الأخوة والولاء بين المؤمنين، قال تعالى:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}[الحجرات:10]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:" وكونوا عباد الله إخوانا" متفق عليه، {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} [التوبة:71]، وقد عقد الله الأخوة بين الكفار والمنافقين، قال تعالى: {أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} [الحشر:11]، وجعل سبحانه وتعالى الكافرين بعضهم أولياء بعض، قال تعالى: {وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال:73].
13- أن التوراة والإنجيل بعد التحريف والتغيير والنسخ لا يجوز الرجوع إليهما في طلب الهدى ومعرفة ما يقرب إلى الله، ولا يجوز ذكرهما مع القرآن على أن لهما حرمة بحجة أنهما منزلان من عند الله، فقد دخلهما كثير من الباطل، ونسخ كثير من أحكامهما، وما فيهما من حق أغنى الله المسلمين عنه بكتابه العزيز الذي {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}[فصلت:42]، ولهذا لما أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، غضب النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: "أمتهوكون فيها يا بن الخطاب؟! .. والذي نفسي بيده لو أن موسى صلى الله عليه وسلم كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني". رواه أحمد.
هذا، ونسأل الله أن يهدينا وسائر المسلمين صراطه المستقيم صراط{الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا}، وأن يجنبنا طريق المغضوب عليهم والضالين، وأن يحبب إلينا الإيمان ويزينه في قلوبنا، ويكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، ويجعلنا من الراشدين فضلا منه ونعمة والله عليم حكيم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أملاه
عبد الرحمن بن ناصر البراك
عبد الرحمن بن ناصر البراك
فضل العلم لسماحة الشيخ عبدالله الجبرين رحمه الله
فضل العلم
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- قاضي الحديث وجبل الحفظ وإمام الدنيا في صحيحه: كتاب العلم.
بسم الله الرحمن الرحيم
باب: فضل العلم ، وقول الله -تعالى-
يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
وقوله -عز وجل-
رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا
.
قال -رحمه الله تعالى- باب من سئل علما وهو مشتغل في حديثه فأتم الحديث ثم أجاب السائل.
قال أبو عبد الله حدثنا محمد بن سنان قال: حدثنا فليح قال: وحدثني إبراهيم بن المنذر قال: حدثنا محمد بن فليح قال: حدثني أبي، قال: حدثني هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أنه قال:
بينما النبي -صلى الله عليه وسلم- في مجلس يحدث القوم جاءه أعرابي فقال:
متى الساعة؟ فمضى -رسول الله صلى الله عليه وسلم- يحدث فقال بعض القوم: سمع
ما قال فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع، حتى إذا قضى حديثه قال: أين
أراه السائل عن الساعة؟ قال: ها أنا يا رسول الله قال: فإذا ضيعت الأمانة؛
فانتظر الساعة. قال: كيف إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر
الساعة
.
قال الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- قاضي الحديث وجبل الحفظ وإمام الدنيا في صحيحه: كتاب العلم.
بسم الله الرحمن الرحيم
باب: فضل العلم ، وقول الله -تعالى-
يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
وقوله -عز وجل-
رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا
. قال -رحمه الله تعالى- باب من سئل علما وهو مشتغل في حديثه فأتم الحديث ثم أجاب السائل.
قال أبو عبد الله حدثنا محمد بن سنان قال: حدثنا فليح قال: وحدثني إبراهيم بن المنذر قال: حدثنا محمد بن فليح قال: حدثني أبي، قال: حدثني هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أنه قال:
بينما النبي -صلى الله عليه وسلم- في مجلس يحدث القوم جاءه أعرابي فقال:
متى الساعة؟ فمضى -رسول الله صلى الله عليه وسلم- يحدث فقال بعض القوم: سمع
ما قال فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع، حتى إذا قضى حديثه قال: أين
أراه السائل عن الساعة؟ قال: ها أنا يا رسول الله قال: فإذا ضيعت الأمانة؛
فانتظر الساعة. قال: كيف إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر
الساعة
. بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على محمد البخاري يذكر فضل العلم ويذكر طريقة تحصيل العلم ، ففي الباب الأول ذكر آيتين في فضل العلم آية في سورة المجادلة قول الله تعالى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي
الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا
فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ
أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ
يقول: إن قوله:
يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ
قال بعض المشائخ: أي منكم أيها الصحابة ثم قال: والذين أوتوا العلم منكم
ومن غيركم يرفعهم الله درجات وهذه الدرجات يراد بها درجات الآخرة. بمعنى أن الله -تعالى- يرفعهم في الآخرة درجات كما قال تعالى:
لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ
وفي الحديث أن
في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض
فكلما ارتفع أحدهم في الجنة كان ذلك أعلى لمكانته وأرفع لمقامه، وأكثر نعيما له، هذا الرفع في الآخرة. وكذلك أيضا الرفع في الدنيا بمعنى أن طالب العلم والمحصل له يرفعه الله على غيره كما في قوله تعالى:
لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ
أي منازل بعضهم أفضل من بعض، فطلب العلم يرفع الله -تعالى- به طالبه، أما الآية الثانية قوله تعالى:
وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا
النبي -صلى الله عليه وسلم- علمه الله قال تعالى:
وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا
. امتن عليه بأن علمه ما لم يكن يعلم، فدل هذا على فضل العلم إذا كان الله -تعالى- علم نبيه ومع ذلك أمره بأن يطلب ربه المزيد أن يقول:
رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا
لا شك أن هذا دليل على محبة التزود أن كل عابد يحسن منه أن يتزود من العلم أن يقول
رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا
في كل ساعة يطلب ربه أن يزيده علما ولا يقتصر على العلم الذي قد رزقه فإنه قليل بالنسبة إلى ما يجب عليه تعلمه: | وليس كل العلم قـد حويته | أجل ولا العشر ولو أحصيته |
هل تعلم الفرق بين النبى والرسول ؟
المشهور أن النبي هو الذي يوحى إليه بشرع لنفسه يعمل
به بنفسه ولا يؤمر بالتبليغ، والرسول الذي يؤمر بالتبليغ، مثل النبي صلى
الله عليه وسلم لما قيل له: اقْرَأْ (3) سورة العلق، هذا نبي، فلما قيل له:
قُمْ فَأَنذِرْ (2) سورة المدثر، صار رسولاً نبياً جميعاً، فالرسول هو
الذي يؤمر بالتبليغ، يوحى إليه ويؤمر بتبليغ الناس ودعوتهم، كمحمد صلى الله
عليه وسلم وموسى وعيسى وداود وسليمان ونوح ونحوهم، والنبي هو الذي يوحى
إليه بشرع ولكن لا يؤمر بالتبليغ، ككثير من أنبياء بني إسرائيل أوحي إليهم
ولم يؤمروا بالتبليغ، لأنفسهم.
من أسباب الانتكاسة
بسم الله الرحمن الرحيم
أقدم بين يدي هذه الخاطرة سؤال :
هل وقوعك في الذنب هو نهاية استقامتك ؟
كثيرٌ من الناس ممن مَنَّ الله سبحانه وتعالى عليهم بالصلاح والإقبال على الخير -يظن- أن وقوعه في ذنب أو ذنوب كثيرة أن هذا هو نهاية سلوكه لهذا الطريق! -أعني طريق الاستقامة- فتجده يتنكب الطريق ويرجع القهقرى، ويستمر في ذلك الذنب، ويغرق في مستنقع الذنوب التي يجر بعضها بعض! ظنًا منه أنه شخص لا يصلح للاستقامة.
وكل هذه أفكار يتلاعب بها الشيطان بابن آدم، فتجد هذا الشيطان الخبيث يقف له بالمرصد حتى يقع في الذنب، ثم إذا وقع، قال له: تفعل كذا وكذا! وتدعي أنك إنسانٌ صالح! أنت منافق وأنت وأنت، حتى يجعل هذه الفكرة الشيطانية ترتكز في عقله وتسيطر عليه، و-من هنا- يبدأ طريق [الانتكاسة] - نسأل الله السلامة والعافية- عندما يظن المرء الصالح أنه لا يوجد طريق رجعه من الذنوب، وعندما يظن أنه معصوم! لا تزل به القدم، عندما يظن أن الصالحون من صفاتهم أنهم في عصمة من الذنب والخطأ، من هنا تبدأ الانتكاسة!
يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم :
{ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ } ، ويقول سبحانه :{ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ }، يقول السُدي - رحمه الله -:" إذا زلُّوا تابوا ".
فهذه رسالة فيها دعوة لتلك الثلة الطيبة من الناس:
مهما بلغ بك الصلاح لا تظن أنك معصوم من الخطأ والوقوع في الذنب، فأنت بشر ضعيف، ولكن! إذا وقعت في الذنب فبادر بالتوبة والإصلاح .
وليس علاج الذنوب هو ترك الاستقامة
بل علاجها هو الاجتهاد في ترك الذنوب، وسؤال الله تعالى الهداية والثبات عليها، وبذل الأسباب المشروعة لتكون من أهل الاستقامة .
ومضة :
عندما تتآكل روحك، فلا تبحث عن مخارج فقهية لتبرير نتائج ضعف عبوديتك لله تعالى، اقصد مُغَذِّيات الإيمان ؛ فثَمَّ العِلاج .
نصيحة :
عندما تهم بالتوبة سيسعى الشيطان لسرد شريط ذنوبك ليحول بينك وبين التوبة! فإيإك إياك أنْ تلتفت له، وتذكَّر قول الحق عزَّ وجل :
{ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ }.
قيل للحسن البصري - رحمه الله -:
ألا يستحي أحدنا من ربه يستغفر من ذنوبه ثم يعود ثم يستغفر ثم يعود؟ فقال: "ودَّ الشيطان لو ظفر منكم بهذا -أي: باليأس من التوبة والكف عنها-، فلا تملوا من الاستغفار".
أقدم بين يدي هذه الخاطرة سؤال :
هل وقوعك في الذنب هو نهاية استقامتك ؟
كثيرٌ من الناس ممن مَنَّ الله سبحانه وتعالى عليهم بالصلاح والإقبال على الخير -يظن- أن وقوعه في ذنب أو ذنوب كثيرة أن هذا هو نهاية سلوكه لهذا الطريق! -أعني طريق الاستقامة- فتجده يتنكب الطريق ويرجع القهقرى، ويستمر في ذلك الذنب، ويغرق في مستنقع الذنوب التي يجر بعضها بعض! ظنًا منه أنه شخص لا يصلح للاستقامة.
وكل هذه أفكار يتلاعب بها الشيطان بابن آدم، فتجد هذا الشيطان الخبيث يقف له بالمرصد حتى يقع في الذنب، ثم إذا وقع، قال له: تفعل كذا وكذا! وتدعي أنك إنسانٌ صالح! أنت منافق وأنت وأنت، حتى يجعل هذه الفكرة الشيطانية ترتكز في عقله وتسيطر عليه، و-من هنا- يبدأ طريق [الانتكاسة] - نسأل الله السلامة والعافية- عندما يظن المرء الصالح أنه لا يوجد طريق رجعه من الذنوب، وعندما يظن أنه معصوم! لا تزل به القدم، عندما يظن أن الصالحون من صفاتهم أنهم في عصمة من الذنب والخطأ، من هنا تبدأ الانتكاسة!
يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم :
{ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ } ، ويقول سبحانه :{ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ }، يقول السُدي - رحمه الله -:" إذا زلُّوا تابوا ".
فهذه رسالة فيها دعوة لتلك الثلة الطيبة من الناس:
مهما بلغ بك الصلاح لا تظن أنك معصوم من الخطأ والوقوع في الذنب، فأنت بشر ضعيف، ولكن! إذا وقعت في الذنب فبادر بالتوبة والإصلاح .
وليس علاج الذنوب هو ترك الاستقامة
بل علاجها هو الاجتهاد في ترك الذنوب، وسؤال الله تعالى الهداية والثبات عليها، وبذل الأسباب المشروعة لتكون من أهل الاستقامة .
ومضة :
عندما تتآكل روحك، فلا تبحث عن مخارج فقهية لتبرير نتائج ضعف عبوديتك لله تعالى، اقصد مُغَذِّيات الإيمان ؛ فثَمَّ العِلاج .
نصيحة :
عندما تهم بالتوبة سيسعى الشيطان لسرد شريط ذنوبك ليحول بينك وبين التوبة! فإيإك إياك أنْ تلتفت له، وتذكَّر قول الحق عزَّ وجل :
{ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ }.
قيل للحسن البصري - رحمه الله -:
ألا يستحي أحدنا من ربه يستغفر من ذنوبه ثم يعود ثم يستغفر ثم يعود؟ فقال: "ودَّ الشيطان لو ظفر منكم بهذا -أي: باليأس من التوبة والكف عنها-، فلا تملوا من الاستغفار".
الموت
بسم الله الرحمن الرحيم
الموت
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛ فإن الموت يبقى حقيقة لا سبيل إلى إنكارها، كيف لا وكلٌّ قد مات قريب له، وباشر دفنه؟
وهذه نقاط تتعلق بموضوع الموت، أسأل الله أن ينفع بها، ويجعلها تذكرةً لمن قرأها..
من أسماء الموت
المنون، الحتف، الحِمام، السام، الوفاة، الردى، الهلاك.
معاني الموت
قال ابن الجوزي رحمه الله: "ذكر بعض المفسرين أنّ الموت في القرآن على أوجه:
أحدها: الموت نفسه، ومنه قوله تعالى: }كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ{ (آل عمران/ 185).
الثاني: الضلال، ومنه قوله تعالى: }أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ{ (الأنعام/ 122).
الثّالث: الجدب، ومنه قوله تعالى: }فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ{ (فاطر/ 9).
الرّابع: الجماد، ومنه قوله تعالى: }أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ{ (النحل/ 21) يعني الأوثان.
الخامس: الكفر، ومنه قوله تعالى: }وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ{ (آل عمران/ 27) وهو الكافر"([1]).
ويطلق الموت على عادم الحياة سواء سبقت له حياة أو لم تسبق، قال تعالى: }كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ{(البقرة/28). وقال: }قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ{(غافر/11)، وهذه مقولة الكفار، قالوا: ربنا أمتَّنا مرتين؛ حين كنا في بطون أمهاتنا نُطَفًا قبل نفخ الروح، وحين انقضى أجلُنا في الحياة الدنيا، وأحييتنا مرتين: في دار الدنيا، يوم وُلِدْنا، ويوم بُعِثنا من قبورنا، فنحن الآن نُقِرُّ بأخطائنا السابقة، فهل لنا من طريق نخرج به من النار، وتعيدنا به إلى الدنيا؛ لنعمل بطاعتك؟ ولكن هيهات أن ينفعهم هذا الاعتراف.
والنوم موت. قال تعالى: }الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها{(الزمر/42)، وقال: }وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ{(الأنعام/60). وقال نبي الله صلى الله عليه وسلم : «النوم أخو الموت، ولا يموت أهل الجنة» رواه البيهقي في الشعب. ولهذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم إذا استيقظ من نومه قال: «الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور» رواه أبو داود.
ويطلق الموت على شدة العذاب، قال تعالى: }ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت{(إبراهيم/17).
أفي الموت شك؟
قال الحسن البصري رحمه الله: "ما رأيت يقينا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من الموت"([2]).
فالموت هو الحقيقة التي لا يمكن لأحدٍ أن ينكرها، أنكر فئام من الناس وجود الله تعالى، وأنكر المشركون البعث، وأُنكرت غير هذه الحقائق القطعية التي لا شك فيها، أما الموت فلا يمكن إنكاره.. قال تعالى –عن المشركين-: }وقالوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ{(الأنعام/29). ومعنى قولهم: نموت ونحيا: يموت الآباء ويأتي الأبناء. وقال تعالى عنهم: }وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ{(الجاثية/24). وفلسفة هؤلاء للحياة أنها بطون تدفع، وأرض تبلع، فلا بعث ولا مرجع.
وقال: }وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ{(البقرة/36).
وقال: }كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ{ (آل عمران: 185)
وقال: }كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ{ (الأنبياء/35).
وقال: }كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ{(العنكبوت/57).
وقال: }أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ{(النساء/78).
ولو كان أحدٌ يبقى لما كان أولى بذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن كتب الله الفناء على جميع عباده فلا يبقى إلا وجهه..
قال تعالى: }وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ{(آل عمران/144). وقال: }إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ{(الزمر/30). وقال: }وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ{(الأنبياء/34). ونزلت سورة }إذا جاء نصر الله{ تعلم الأمةَ بدنوِّ أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وقال: }وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ{ (ق: 19). أي: وجاءت شدة الموت وغَمْرته بالحق الذي لا مردَّ له ولا مناص، ذلك ما كنت منه - أيها الإنسان - تهرب وتروغ.
قال النبي صلى الله عليه وسلم : «أتاني جبريل، فقال: يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزَّه استغناؤه عن الناس» رواه الطبراني في الأوسط.
وسيموت كل شيء حتى الموت:
فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُجَاءُ بِالْمَوْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ كَبْشٌ أَمْلَحُ، فَيُوقَفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ. وَيُقَالُ: يَا أَهْلَ النَّارِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قَالَ: فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ. فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُذْبَحُ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ». ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: }وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ{(مريم/39). وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الدُّنْيَا. أخرجه البخاري ومسلم.
وفي موضع آخر من القرآن إخبار بهذا الفرح الذي يلحق المؤمنين في الجنة بعد الأمن من الموت، قال تعالى عن بعضهم يحكي فرحه: }أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ* إِلا مَوْتَتَنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ* إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ{(الصافات/58-60).
فالموت باب لابد لكل أحدٍ أن يدخل منه..
هـو الموتُ مـا منه مَلاذٌ ومهربُ --- متى حُطَّ ذا عن
نَعْشِهِ ذاك يركبُ
الحكمة من الموت
بينها ربنا بقوله: }الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ{(الملك/2)، وبقوله: }أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ{(المؤمنون/115)، وبقوله: }أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى{(القيامة/36).
ولله در القائل:
ولو أنا إذا متنا تركنا --- لكان الموت راحة كل حي
ولكنا إذا متنا بعثـنا --- ونسأل بعده عن كل شيء
ولكنا إذا متنا بعثـنا --- ونسأل بعده عن كل شيء
الأمر بتذكر الموت والاستعداد له
قال نبي الله صلى الله عليه وسلم : «أكثروا من ذكر هاذم([3]) اللذات» رواه الترمذي.
وثبت عن عبد اللّه بن مسعود رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «استحيوا من اللّه حقّ الحياء». فقلنا: يا نبي الله، إنّا لنستحيي. قال: «ليس ذلك، ولكن من استحيا من الله حقّ الحياء فليحفظ الرأس وما حوى، والبطن وما وعى، وليذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، ومن فعل ذلك فقد استحيا من اللّه حقّ الحياء» رواه الترمذي.
وعَنْ الْبَرَاءِ رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جِنَازَةٍ، فَجَلَسَ عَلَى شَفِيرِ([4]) الْقَبْرِ فَبَكَى حَتَّى بَلَّ الثَّرَى، ثُمَّ قَالَ: «يَا إِخْوَانِي لِمِثْلِ هَذَا فَأَعِدُّوا» رواه ابن ماجة.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا. هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا، أَوْ غِنًى مُطْغِيًا، أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا، أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا، أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا، أَوْ الدَّجَّالَ؛ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوْ السَّاعَةَ؛ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ» رواه الترمذي.
قال ابن عمر رضي الله عنهما: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بَمنْكِبي فقال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». وكان ابن عمر يقول: "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك" رواه البخاري.
فعلينا أن نسارع إلى العمل الصالح، وأن نكثر منه، قبل أن نندم كما يندم المشركون }حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ{(المؤمنون/99).
لماذا نتذكره؟
يجيب نبينا صلى الله عليه وسلم بقوله: «أكثروا من ذكر هاذم اللذات» رواه الترمذي. وللبزار: «فإنه ما ذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسعه ولا في سعة إلا ضيقه عليه».
وعن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة، ولا تقولوا هُجْرا» رواه مسلم وأحمد. ولأحمد: «فإن فيها عبرة».
وللحاكم: «فإنها ترق القلب، وتدمع العين، وتذكر الآخرة».
أين نموت؟
قال تعالى: }وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ{(لقمان/34).
وقال نبينا صلى الله عليه وسلم : «إذا أراد الله قبض عبد بأرض جعل له فيها حاجة» رواه ابن عدي في الكامل، والطبراني.
متى نموت؟
لا يعلم المرء متى ذلك، فإنما هي أيام معدودة، وأنفاس محسوبة، قال تعالى: }ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها{(المنافقون/11). والأجل: مدة الشيء.
وقال: }اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى{(الزمر/42).
وقال نبينا صلى الله عليه وسلم : «إن روح القدس قد نفث في رُوْعِي([5]) أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها» رواه البيهقي في الشعب.
ولا يخير إلا الأنبياء:
فقد خُيِّر نبي الله صلى الله عليه وسلم واختار الرفيق الأعلى. والرفيق الأعلى من ورد ذكرهم في قوله تعالى: }وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا{ (النساء/69).
وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله». فبكى أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فقلت في نفسي: ما يبكي هذا الشيخ!؟ إن يكن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو العبد، وكان أبو بكر أعلمنا.
وخُيِّر موسى عليه السلام. ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أرسل ملك الموت إلى موسى عليه السلام، فلما جاءه صكه ففقأ عينه، فرجع إلى ربه فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت! فرد الله إليه عينه وقال: ارجع إليه فقل له: (يضع يده على متن ثور، فله بما غطت يده بكل شعرة سنة). قال: أي رب ثم مه؟ قال: (ثم الموت). قال: فالآن. فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فلو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر».
من منا يحب الموت؟
مما لا ريب فيه أنه لا أحد يحب الموت..
ويدل لذلك حديث عبادة بن الصامت الذي أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه». فقالت عائشة رضي الله عنها: إنا لنكره الموت! فقال: «ليس ذاك، ولكن المؤمن إذا حضره الموتُ بُشِّر برضوان الله وكرامته، فليس شيءٌ أحبَّ إليه مما أمامه، فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حضر بشر بعذاب الله وعقوبته، فليس شيء أكره إليه مما أمامه كره لقاء الله وكره الله لقاءه».
فدل هذا الحديث على أمرين:
الأول: أنه لا أحد يحب الموت، ولا يكون إثمٌ بذلك، ولو كان إثماً لبين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها ولا أنكر عليها.
الثاني: أن المؤمن في لحظة الاحتضار لا أحب إليه من الموت.
وبذا تكون إجابة ما طرح من سؤال في عنوان المقالة: المؤمن في احتضاره.
وسبب ذلك: أنه يرى ما أعد الله له من النعيم، وفي الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. و«موضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها» كما أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم في الصحيح، فكيف بما أورثه الله منها؟!
وقول نبينا صلى الله عليه وسلم: «فليس شيء أحب إليه مما أمامه» دليل على أنه لو خير بين البقاء بين زوجه، وأهله، وولده لاختار الآخرة.
وأما الآخَرُ فلست أكتب للحديث عنه، وإنما أريد أن أخص بحديثي من يؤثر الموت على الدنيا ويحبه، ولا يعدل به شيئاً.
ولقد دلت سنة نبينا صلى الله عليه وسلم على أمرين آخرين يشحذان الهمة لسلوك الطريق المستقيم..
الأول: أن الميت الصالح يتمنى أن يعجِّل الناس بدفنه.
والثانية: أن الميت إذا وضع في قبره لو خُير بين أن يبقى فيه وبين أن يرد إلى أهله لا اختار قبره على أهله ودنياه.
أما دليل الأول فحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا وُضعت الجنازة، واحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها أين يذهبون بها؟ يسمع صوتَها كلُّ شيء إلا الإنسانَ ولو سمعه صَعِق» رواه البخاري.
وأما دليل الثاني: فما رواه الشيخان في الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من عبد يموت له عند الله خير، يسره أن يرجع إلى الدنيا وأن له الدنيا وما فيها إلا الشهيد؛ لما يرى من فضل الشهادة، فإنه يسره أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى».
وتأمل قول نبينا صلى الله عليه وسلم: «وأن له الدنيا وما فيها»، فليس يتمنى الرجوع إلى داره الصغيرة التي كان يسكنها، بل لو خير بين قبره وبين أن يعطى الدنيا ومثلَها معها لاختار قبره؛ لما فيه من نُزُل كريم من رب رحيم.
فما أعظمه من حديث! إنه لو لم يكن في السنة ما يحمل على الشوق إلى لقاء الله والزهد في الدنيا غير هذا الحديث لكفى!
فهذه ثلاثة أحاديث دلت على ثلاثة أمور:
أن المؤمن يتمنى الموت ويفرح به إذا حُضر.
وأنه يتمنى أن يعجل الناس بدفنه.
وأنه لو خير بين قبره والرجوع إلى أهله مع الدنيا ومثلها لاختار قبره.
وسبيل التوفيق لهذا المصير: تعمير الوقت بطاعة الله، والإكثار من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك» رواه النسائي.
النهي عن تمني الموت
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تمني الموت في حديثين:
الأول: عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي» رواه البخاري ومسلم.
الثاني: عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ، إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا، وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ» رواه البخاري.
والمعنى: يسترضي الله بالإقلاع عن الذنوب والاستغفار وإصلاح الحال.
وأما قول يوسف عليه السلام: }توفَّني مسلماً{ (يوسف/101).
فالجواب عن الاستدلال بهذه الآية على جواز تمني الموت من وجوه:
1. إمَّا أنَّ يوسُفَ عليه السلام قال ذلك عند احتضاره، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك: «اللهم في الرفيق الأعلى، اللهم في الرفيق الأعلى، اللهم في الرفيق الأعلى» رواه البخاري ومسلم.
2. وإما أنه سأل الموت منجزاً وكان ذلك في ملتهم سائغاً. ولو صح ذلك فإن شرعنا مقدم على شرع غيرنا إذا عارضه.
3. وإما أنه سأل الثبات على الإسلام، بمعنى إذا حان أجله كان من المسلمين "كما يقول الداعي لغيره: أماتك الله على الإسلام. ويقول الداعي: اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين"([6]).
والأمر الثاني دعوة مريم عليها السلام: }يا ليتني مت قبل هذا{ (مريم/23).
والجواب ما قاله ابن كثير رحمه الله: "فيه دليل على جواز تمني الموت عند الفتنة، فإنها عرفت أنها ستبتلى وتمتحن بهذا المولود الذي لا يحمل الناس أمرها فيه على السداد، ولا يصدقونها في خبرها، وبعدما كانت عندهم عابدة ناسكة، تصبح عندهم -فيما يظنون- عاهرة زانية، فقالت: }يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا{، أي قبل هذا الحال، }وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا{، أي: لم أخلق ولم أك شيئًا... وقد قدمنا الأحاديث الدالة على النهي عن تمني الموت إلا عند الفتنة، عند قوله: }تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ{"([7]).
ومن هذه الأحاديث والآثار التي أوردها رحمه الله وهي دالة على جواز تمني الموت عند الفتن:
دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة في قوم فتوفني غير مفتون، أسألك حبك، وحب من يحبك، وحب عمل يقربني إلى حبك» رواه الترمذي.
وحديث محمود بن لبيد رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اثنتان يكرههما ابن آدم: الموت، والموت خير من الفتنة. ويكره قلة المال، وقلة المال أقل للحساب» رواه أحمد.
من مات وأحياه الله
ذكر الله تعالى في سورة البقرة خمس قصص لمن مات وعاش بعد موته..
الأولى: قصة بني إسرائيل. قال تعالى: }وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ* ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ{ (البقرة/55، 56).
والثانية: قصة صاحب البقرة.
والثالثة: قصة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، فقال الله لهم: }موتوا ثم أحياهم{ (البقرة: 243)، وقد خرجوا فراراً من الموت بعدما تعين عليهم الجهاد على الصحيح من قولي العلماء؛ استدلالاً بالآية بعدها: }وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ{ (البقرة/244).
والرابعة: في قصة الذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها، فقال: }أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه{ (البقرة: 259).
والخامسة: في قصة إبراهيم: }رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي...{ (البقرة: 260) الآية. والله تعالى على كل شيء قدير، ولا ينافي هذا ما ذكر الله في قوله: }ثم إنكم بعد ذلك لميتون * ثم إنكم يوم القيامة تبعثون{ (المؤمنون: 15، 16)؛ لأن هذه القصص الخمس وغيرها –كإحياء عيسى عليه السلام الموتى بإذن الله- ثبتت بنص فلا يُزاد عليه، وإلا فالأصل أن من مات لا يبعث إلا في يوم القيامة، قال تعالى: }ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ* ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ{ (المؤمنون/15، 16).
ما يتبع الميت
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يتبع الميت ثلاثة، فيرجع اثنان ويبقى معه واحد، يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله» رواه البخاري ومسلم.
فعلى المسلم أن يديم العمل الصالح؛ فإن الإنسان يبعث على ما مات عليه، قال النبي صلى الله عليه وسلم : «الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها» رواه أبو داود. والمراد: العمل.
الموت باب وكل الناس داخله --- فليت شعري بعد
الباب ما الدار
الدار دار نعيـم إن عملت بما --- يرضي الإله وإن خالفت فالنـار
هما محلان ما للنـاس غيرهمـا --- فانظر لنفسك ماذا أنت تختــار
الدار دار نعيـم إن عملت بما --- يرضي الإله وإن خالفت فالنـار
هما محلان ما للنـاس غيرهمـا --- فانظر لنفسك ماذا أنت تختــار
وعلى من حضر محتضَراً أمران
الأول: أن يحمله على إحسان الظن بالله.
لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ألا يموتَن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه» رواه مسلم.
الثانية: تلقينه كلمة التوحيد.
لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله» رواه مسلم.
والتلقين بتكرار الكلمة عنده، ولا يؤمر بقولها إلا المشرك، فإذا قالها كُفّ عنه، فإذا تكلم بأجنبي كُرِّر تلقينه؛ حتى يكون آخر كلامه لا إله إلا الله.
الفرق بين موت الكافر والمؤمن
ورد ذلك في حديث المسند «تخرج روحه تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء»، والكافر يقال له: «يا أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب، فتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول».
إشكال وجوابه:
أسند الله الوفاة في القرآن لنفسه سبحانه، ولملائكته، ولملك الموت، ولا إشكال في هذا..
أما إسناد الوفاة إلى الله تعالى فلأنه لا يكون شيء إلا بإذنه. وأما إسنادها إلى ملك الموت فلأنه يباشر قبضها، وأما الملائكة فهم أعوانه في ذلك، يأخذون منه الروح إذا أخرجها.
انقطاع التوبة بحضور الموت
قال تعالى: }وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً{ (النسا: 18).
قال ابن كثير رحمه الله: "متى وقع الإياس من الحياة، وعاين الملك، وحَشْرَجَتِ الروح في الحلق، وضاق بها الصدر، وبلغت الحلقوم، وَغَرْغَرَتِ النفس صاعدة في الغَلاصِم([8]) -فلا توبة متقبلة حينئذ، ولات حين مناص"([9]).
اللهم أحسن خلاصنا، واختم بالصالحات آجالنا، واجعل خير أيامنا يوم لقائك.
اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين،،،
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)
قصة اليهودى والراعى المسلم
قصة رائعة جداً يروى ان احد اليهود مرّ على قرية مسلمة واراد ان يلقي "بشبهات" على علمائها ولكنه قبل بلوغ القرية وجد راعي أغ...
-
بسم الله الرحمن الرحيم الموت الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أ...
-
🔷 وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ 🔷 🔛🔛🔛🔛🔛🔛🔛🔛🔛🔛🔛 أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على وُجُوبِ غَسْ...



